تشهد مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي في اليمن تصاعداً ملحوظاً في الانتهاكات ضد المساجد والمراكز الدينية السنية، في إطار ما تصفه تقارير حقوقية بحملة ممنهجة تستهدف المؤسسات الشرعية والعلمية التي لا تتبنى فكر الجماعة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعدد الديني والفكري في البلاد.
وتؤكد مصادر دينية وحقوقية أن المراكز المتخصصة في تعليم القرآن والسنة والعلوم الشرعية باتت هدفاً مباشراً لسلطات المليشيا، عبر سلسلة من الإجراءات تبدأ بالتشهير وإلصاق التهم بالقائمين عليها، وصولاً إلى إغلاقها أو السيطرة عليها وتهجير طلابها. كما سُجلت حالات اختطاف واعتقال بحق عدد من الأئمة والخطباء والعاملين في تلك المراكز.
من دماج إلى إب.. مسار طويل من الاستهداف
تعود بداية الحرب الحوثية على السنة إلى ما قبل اجتياح صنعاء، وتحديداً مع حرب الحوثي على دماج في محافظة صعدة، التي انتهت بتهجير آلاف الطلاب من مركز دار الحديث، أحد أبرز المعاهد السلفية في اليمن، بعد معارك عنيفة بين الحوثيين وطلاب المركز.
وتشير تقارير إلى أن المواجهة بين الحوثيين والتيار السلفي يمثل أحد أبرز مظاهر الصراع الديني في اليمن الحديث، إذ ينظر الحوثيون إلى السلفيين باعتبارهم امتداداً لتيارات دينية منافسة، بينما يرى السلفيون في الجماعة مشروعاً سياسياً ذا خلفية مذهبية.
ومنذ ذلك الحين، اتسع نطاق المواجهة ليشمل عدداً من المحافظات اليمنية.
اقتحامات وإغلاق مساجد ومراكز تعليم
تشير شهادات محلية وتقارير إعلامية إلى أن سلطات المليشيا الحوثية فرضت قيوداً مشددة على الأنشطة الدينية في المساجد، بما في ذلك إيقاف بعض الدروس وحلقات تحفيظ القرآن ومنع الأنشطة الدعوية التي لا تتوافق مع توجه الجماعة.
وفي العاصمة صنعاء، تحدثت مصادر محلية عن اعتقال العشرات من أتباع الحركة السلفية داخل مسجد ومركز السنة في حي سعوان بعد رفضهم المشاركة في دورات ثقافية تنظّمها المليشيات ، بينما تم منع إقامة الدروس الدينية في عدد من المساجد.
كما أُفيد بأن مليشيا الحوثي قامت بتغيير عدد من خطباء المساجد واستبدالهم بخطباء موالين لها، إضافة إلى إيقاف حلقات تعليم القرآن في عدة مساجد بصنعاء والحديدة وذمار.
انتهاكات جديدة في محافظة إب
وفي أحدث الوقائع، تحدث ناشطون عن قيام عناصر حوثية بنهب مكتب مركز الإمام الشوكاني في مديرية حبيش بمحافظة إب في نهاية شهر رمضان 1447هـ، واحتلال المركز وتهجير طلابه والعاملين فيه.
وتعد محافظة إب، ذات الأغلبية السنية، إحدى المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية حوادث مشابهة تتعلق بالسيطرة على مساجد أو إغلاق مراكز تعليمية دينية.
انتهاكات أوسع للحريات الدينية
لا تقتصر الانتهاكات على المساجد والمراكز السنية فقط، إذ تشير تقارير دولية إلى أن مليشيا الحوثيين فرضت قيوداً على الأنشطة الدينية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، واستهدفت أيضاً بعض الأقليات الدينية، مثل البهائيين، عبر حملات اعتقال ومداهمات بدوافع مرتبطة بالمعتقد الديني.
كما تحدثت تقارير حقوقية عن حملة أوسع لقمع المؤسسات والشخصيات الدينية التي لا تتبنى خطاب الجماعة، بما في ذلك التضييق على العلماء والخطباء وإغلاق بعض المؤسسات التعليمية الدينية.
مخاوف على التعايش الديني في اليمن
ويرى مراقبون أن استهداف المراكز السنية يمثل جزءاً من صراع فكري وديني أوسع داخل المجتمع اليمني، الذي عرف تاريخياً بتنوعه المذهبي بين السنة والزيدية.
ويحذر ناشطون ومنظمات حقوقية من أن استمرار هذه السياسات قد يهدد التعايش الديني والاجتماعي في البلاد، ويدفع باتجاه مزيد من الاستقطاب الطائفي في مجتمع لطالما اتسم بالتعدد والتسامح.
دعوات لتسليط الضوء على الانتهاكات
في هذا السياق، اطلق إعلاميون وناشطون يمنيون حملة إعلامية لتوثيق ما وصفوه بالانتهاكات التي تتعرض لها المساجد ومراكز تعليم السنة في مناطق سيطرة الحوثيين، وتسليط الضوء على آثارها على المجتمع اليمني.
واكد القائمون على هذه الحملة أن الهدف منها هو إبراز خطورة استهداف المؤسسات الدينية والتعليمية، والدفاع عن حرية الاعتقاد والتنوع الفكري في اليمن


